اجتماع القيادة الفلسطينية الأخير: وقائع وآفاق

في الاجتماع الأخير للقيادة الفلسطينية الأعلى (اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية) في رام الله قبل أيام، تمت – ضمن مواضيع عديدة – مناقشة الانتخابات الإسرائيلية ونتائجها. وقد كان تقدير القيادة الفلسطينية السابق صحيحا، سواء فاز حزب “الليكود” اليميني أو “المعسكر الصهيوني”، حيث أن كل المؤشرات كانت تؤكد أن فرصة تشكيل الحكومة ستكون من نصيب رئيس الوزراء الحالي (بنيامين نتنياهو)! وحتى لو جاءت التوقعات عكس ذلك، وطلب من (يتسحاق هرتسوغ) تشكيل الحكومة، فإنه من واقع التحالفات وطبيعتها في إسرائيل التي عادة ما تقيد الحكومات وخاصة الإئتلافية، لن تستطيع “حكومته” عندئذ المضي في التسوية السلمية وفق المبادئ وبرنامج الحد الأدنى الفلسطينيين. وعليه، جاء اجتماع “المجلس المركزي” الذي دعت إليه “اللجنة التنفيذية” قبل الانتخابات الإسرائيلية بعيدا عن الأوهام، وجاهزا للتعاطي المستقبلي، خاصة في ظل عديد الضغوط الغربية والعربية التي نصحت “القيادة” بعدم اتخاذ خطوات قبل الانتخابات الإسرائيلية.

لقد جاءت نتائج الانتخابات لتؤكد اقتناع القيادة الفلسطينية أن أي قرار بالعودة إلى المفاوضات المباشرة يعني، بدون تلاعب لغوي، منح مشروعية للاستعمار/ “الاستيطان” الصهيوني! وأن الذهاب الى المفاوضات المباشرة دون وقف “الاستيطان” وتحديد مرجعية ملزمة لها سيؤدي الى فشل أكبر وأخطر مما يجري اليوم. لذا، تجهزت القيادة الفلسطينية لإعادة القضية الفلسطينية إلى الحلبة الدولية لتنفيذ قرارات الشرعية، من خلال مسارين الأول: خارجي، عبر الكفاح السياسي والدبلوماسي والإعلامي مع دول العالم وبرلماناته، خاصة وأنه في الأول من نيسان/ إبريل القادم نتوقع صدور قرار يعلن عن تمكين السلطة الوطنية الفلسطينية بحق رفع الدعاوى إلى المحكمة الجنائية الدولية. والمسار الثاني: داخلي، عبر الكفاح الجماهيري بدعم قوى حركة التضامن الدولية مع الشعب الفلسطيني والحركة المدنية الفلسطينية (BDS) أي (حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات)، بحيث يتشكل رافد للخط الكفاحي الأساسي الموازي للمسارين آنفي الذكر: المقاومة الشعبية السلمية الحضارية.

في السياق، تم التأكيد في اجتماع “التنفيذية” على أن قرارات “المجلس المركزي” هي قرارات ملزمة وعلى رأسها وقف التنسيق الأمني مع الاحتلال الإسرائيلي وفق “خارطة طريق” يتم تحديدها قريبا جدا، من قبل لجنة مختصة، وذلك مع نجاح إسرائيل في استغلال التنسيق الأمني لصالحها، وتزايد عدد المؤمنين بأن بقاء “السلطة” يتحول تدريجيا إلى قوة تسهم في حماية أمن إسرائيل(!!!) فضلا عن شرعنة الاحتلال الإسرائيلي(!!!). وفي سياق بحث الخط الكفاحي الجماهيري، تم التشديد على مسألة مقاطعة بضائع المستعمرات/ “المستوطنات” بتفعيل لجنة تنسيق من “التنفيذية” وحركة فتح، خاصة وأن حركة المقاطعة في الضفة الغربية تتنامى بشكل متسارع مؤخراً كحصيلة لنشاطات جمعيات ومنظمات أهلية فلسطينية وعربية ودولية.

لقد قدم رئيس الوزراء الفلسطيني الدكتور رامي الحمدالله تقريرا وافيا عما قدمته وما زالت حكومته (حكومة الوفاق الوطني) للأهل في قطاع غزة، على أن يكون ذلك التقرير مدار بحث ونقاش من قبل الاجتماع القادم للجنة التنفيذية، خاصة مع استمرار الحصار الإسرائيلي على “القطاع”. وفي هذا النطاق، تم التطرق إلى موضوع الحرص على الأهل في “القطاع” والحفاظ على مصالحهم في ظل بعد مركز “حكومة الوفاق” الفلسطينية بحيث يترأس الحمدالله وفدا من الوزراء لزيارة القطاع، وهو ما تم بالسرعة المنشودة، وعقد اجتماع للطاقم الوزاري في مدينة غزة لتنفيذ الاتفاقات التي تم التوصل إليها فلسطينيا، مع الحرص على مسألة الوحدة الوطنية وإنهاء الإنقسام الفلسطيني – الفلسطيني، قطعا للطريق على المشروع الإسرائيلي الهادف إقامة دولة فلسطينية بنظامين، واحدة في الضفة والأخرى في غزة. هذا، إضافة إلى ضرورة مسارعة وفد “اللجنة التنفيذية” بالذهاب إلى قطاع غزة والتفاعل مع قيادة حماس (وغيرها) ومع الأهل في المحافظات الجنوبية. كذلك، جرى حديث، قديم جديد، حول عقد اجتماع إطار جديد لمنظمة التحرير الفلسطينية بمشاركة حماس والجهاد الإسلامي، رغم استمرار المشكلة المتمثلة في إيجاد المكان المناسب لعقد الاجتماع، فضلا عن التعقيدات السياسية المحلية والإقليمية المعروفة، وهو أمر للأسف نجاحه مرهون بإيجاد المكان والخروج من هذه التعقيدات.

أخيرا، تم بحث تفاصيل حال المقاومة الشعبية الحضارية السلمية التي تجري في عديد المناطق الفلسطينية بشكل مستمر، مع ضرورة تفعيلها للوصول إلى عصيان مدني، حيث أنه مع تشكيل (نتنياهو) حكومته الرابعة – ربما الأكثر يمينية من سابقاتها – من المتوقع استمراره في سياسة العقوبات السابقة ضد السلطة الوطنية، الهادفة إلى تفكيكها عبر العقوبات: سياسية كانت، أم أمنية، أم مالية واقتصادية. لذا، ركز الاجتماع على مسألة تعزيز المقاومة الشعبية الحضارية التي أحدثت نقلة نوعية بينت للعالم حقيقة وقدسية وشرعية المقاومة الفلسطينية الحديثة كنموذج جماهيري يفضح أكثر بنية الفصل والتمييز العنصري (الأبارتايد) الإسرائيلي.

الحكومة الإسرائيلية القادمة: متى تنهار؟

تفوق حزب “الليكود” بزعامة رئيس الوزراء الإسرائيلي (بنيامين نتنياهو) في الانتخابات الإسرائيلية على “المعسكر الصهيوني” بزعامة (يتسحاق هرتسوغ)، فيما حلت القائمة العربية المشتركة ثالثا. إذن، تعززت استطلاعات الرأي التي سبقت الانتخابات والتي أظهرت (نتنياهو) متقدما على (هرتسوغ)، من حيث أهلية كل منهما لتولي رئاسة الحكومة.

عن تباين قدرة “الليكود” و”المعسكر الصهيوني”، على تشكيل الحكومة المقبلة، كتب عضو الكنيست السابق (يوسي بيلين) يقول: “استهل أفيغدور ليبرمان المعركة الانتخابية بتعهد تأييد نتنياهو الذي لم يتردد في السابق في مهاجمته. وهذا ما حدث أيضاً مع حزب البيت اليهودي. وحاول أرييه درعي أن يعطي انطباعاً بالاستقلالية، لكنه فهم أن مؤيديه هم من اليمين المتشدد، وفي مواجهته مع إيلي يشاي قام بالخطوة المنطقية بالنسبة له فأعلن تأييده نتنياهو. أما يشاي الذي يترأس حزباً أكثر يمينية فقد التزم بدعم نتنياهو. وعلى الرغم من عدم التزام حزب يهودت هتوراة علناً، فسيكون من الصعب ألا يمنح دعمه لنتنياهو”. إذن، الدعم اليميني (لنتنياهو) ما زال على حاله. في المعسكر الآخر، سارع “ميرتس” لتأكيد دعم (هرتسوغ)، فيما أعلن زعيم “هناك مستقبل” (يائير لبيد) أنه سيبذل كل ما في وسعه لمنع (نتنياهو) من العودة إلى كرسي رئاسة الحكومة للمرة الرابعة، وأنه “سيجد نفسه يدعم هيرتسوغ، حتى لو لم يعلن ذلك”. أما “النجم السياسي الجديد” على الساحة الإسرائيلية فهو الليكودي (موشيه كحلون) رغم أنه يعود، هذه المرة، على رأس حزب “كولانو” (كلنا) ليخوض الانتخابات في قائمة مستقلة، دون أن يلتزم بدعم أي من الطرفين (نتنياهو) أو (هرتسوغ) سعيا للوصول إلى هدفه الأساسي (وزارة المالية). أما القائمة العربية المشتركة التي أعلن زعماؤها أنهم لن يشاركوا في أي حكومة مقبلة، فمن المؤكد أنها لن تدعم طموح (نتنياهو).

لو كلف (نتنياهو) بتشكيل الحكومة، فإنه سيكون أسير حلفائه الأكثر تطرفا ويمينية منه ومن حزبه، وهو ما جعله يؤكد قبل يوم واحد من الانتخابات، رفضه لقيام دولة فلسطينية في حال فوزه بالانتخابات. كما تعهد بتكثيف الاستعمار/ “الاستيطان” في القدس الشرقية المحتلة، وعدم تقديم أي تنازلات للفلسطينيين في المستقبل، مصرا على أنه “لن يسمح أبدا للفلسطينيين باقامة عاصمة في الجزء الشرقي المحتل من المدينة المقدسة”. إذن، الحكومة الجديدة برئاسته، والتي هي الرابعة، ستكون حكومة غير مستقرة، خاصة وأن عديد المسؤوليين الأمنيين السابقين في إسرائيل، بمن فيهم رئيس الموساد السابق (مئير دغان) والليكودي (دان ميردور) يحذرون من عودة (نتنياهو) ويريدون إحياء المفاوضات، ويرفضون التوتر مع البيت الأبيض، ويتخوفون من حكومة تعتمد على أصوات “المستوطنين”، خاصة كون “نتنياهو فشل في ضمن الأمن لمواطني الدولة”، بل هو “المسؤول عن الفشل في مواجهة حركة حماس، وفيما يتعلق بالملف النووي الإيراني”.

وحتى لو افترضنا تكليف (هرتسوغ) بتشكيل الحكومة (وهو أمر مستبعد للغاية)، فإن الأمر سيكون ضبابيا على أكثر من صعيد، حيث كان أعلن عن استعداده لتشكيل حكومة وحدة وطنية مع “الليكود”. ولا غرابة، فتاريخه يقول أنه ليس من حزب “العمل” عمليا (ولو أنه رسميا كذلك) ذلك أنه – فعليا – ينتمي إلى “ليكود ب” مقابل “ليكود أ” (نتنياهو)، مع توقع المحللين بنجاحه في المجال الاقتصادي والاجتماعي دون السياسي خاصة فلسطينيا. وعليه، سيبقى هو (هرتسوغ) وحكومته بمثابة لغز ربما يحل بعد وضوح نتائج الانتخابات، وبالذات في ضوء “الضغوط” الدولية المتوقعة.

في مقال لافت للنظر بعنوان “متى الانتخابات القادمة؟”، كتب (نحمايا شترسلر) يقول: “الآن بات هذا واضحا جدا، فالحكومة الجديدة التي ستقوم بعد الانتخابات القريبة المقبلة ستصمد أقل من الحالية. ويجدر بنا الافتراض أنها ستكون ايضا حكومة شلل مثل سابقتها، فهذا هو السبيل الذي تقودنا فيه طريقة الحكم الحالية” ويفسر: “إذا اراد الليكود ان يشكل حكومة يمينية، فسيضطر إلى التوقيع على اتفاقات ائتلافية مع ستة احزاب مختلفة لكل واحد منها جدول أعمال مختلف. وضع اسحق هرتسوغ لا يقل سوءا. فمن اجل ان يشكل ائتلافا سيتعين عليه ان يوقع على اتفاقات ائتلافية مع خمسة احزاب”. ويختم: “إن المشكلة في طريقة الحكم الحالية لا تكمن فقط باجراء انتخابات كل سنتين، بل في تخوف رئيس الوزراء من أن يسقطه رفاقه في الائتلاف في كل لحظة معينة”. وبالفعل، فإنه ما لم تحدث “معجزة” بحيث تتشكل حكومة “الوحدة الوطنية” التي تحدث عنها الرئيس الإسرائيلي، فإن إسرائيل الراهنة مرشحة بقوة للدخول في حالة استقطاب شديد وحاد، مضيفا – مع تشكيل حكومة (نتنياهو) مع اليمين المتطرف – مزيدا من الممارسات اليمينية المتطرفة، وبالتالي مزيدا من العزلة لإسرائيل. وعليه، ستكون الدولة الصهيونية “جالسة” على فوهة بركان من التشدد وعدم الاستقرار بحيث تسقط الحكومة قبل أوانها، ولربما بزمن قياسي.

حلول جذرية في مواجهة الإرهاب الإسلاموي (4-4)

في أقل من خمس سنوات، سقط من أبناء العالم العربي – بقوة الإرهاب أساسا – نحو نصف مليون قتيل، وتشرد عدد من الملايين الذين باتوا في حكم المهجرين، وابتلع – وما يزال – البحر مئات العائلات في محاولات هروبهم من العالم العربي إلى شط الأمان الأوروبي. كيف الخروج من هذا الواقع المرير؟! لا بد أولا من الفصل بين العمل الثقافي لمحاربة الإرهاب، وهو أمر يمتد لفترات طويلة، وبين المواجهة العسكرية التي يرى كثيرون أهميتها وأنها أمر لا مناص منه.

إن الخطاب السياسي والديني، الموجه ضد الإرهاب، ينبغي أن يكون أكثر وضوحاً كي لا يتغلغل الفكر المتطرف أكثر من ذلك في المنطقة. ولقد أطلق أمين عام الأمم المتحدة (بان كي مون) تصريحاً مفاده أن “الإرهاب لن ينتهي بالضربات الجوية ولكن ينتهي عندما نقتل رأس الإرهاب”. وبغض النظر عما قصده بعبارة “رأس الإرهاب”، فإن المطلوب، عربيا وإسلاميا، هو تجفيف منابع الإرهاب الذي يبدأ من داخل خلايا الرأس. فالحرب على الإرهاب يجب أن تكون، خاصة ببعديها الديني والفكري، من مسؤولية العرب والمسلمين أولا. فالارهاب لم ولن يتوقف الا بجهود مجتمعة تنشئ جيلا (ضمنه رجال دين محترفون) بحيث يتم تأهيلهم للتصدي لأي فكر متشدد يحاول التغلغل في المجتمعات. فاستئصال الإرهابيين لا يكون إلا من خلال التأثير على العقول، فالغلو أبرز سماتهم، والأمة العربية، ومنذ عهد الاستقلال، فشلت في تحصين المجتمعات من تلوث العقول.

دوما يحتاج الناس إلى إعطاء معنى جديد للحياة. صحيح أن هناك صعوبات أمام تجديد الخطاب الديني، خاصة في ظل مواقف رسمية (لدى البعض النادر) متخوفة من أي طرح جديد، فضلا عن ضعف راهن في مكانة المؤسسات الدينية التي لا تملك إلا هامش حركة محدود. واليوم، بات الأمر يحتاج لعملية جراحية طارئة تبدأ بتفعيل دور المؤسسات الدينية المعنية بالعبادات والفتوى، التي فقدت كثيراً من مقوماتها، وباتت مؤسسات جامدة، عبر الدعوة إلى مبادرات ترسخ معنى الوسطية باعتباره نقيضا للتطرف الديني، تركز على تصحيح المفاهيم، خاصة في ظل تحوير الكثير منها وإخراجها من سياقها وعلى رأسها مسألتي “الجهاد” و”التكفير”.

ومن الأمور التي اتفق عليها عديد المشاركين في ورشة العمل الخاصة حول معالجة ظاهرة الإرهاب التي أقامتها صحيفة “الاتحاد” الإماراتية في تشرين أول/ أكتوبر الماضي، وكذلك المؤتمر الجامع الذي عقده مركز “الملك عبدالله بن عبد العزيز الدولي” في العاصمة النمساوية في 18 و19 تشرين ثاني/ نوفمبر المنصرم، مسألة الإصلاح الديني الشامل، أي تجديد الخطاب الديني، وتجديد مناهج التعليم الديني، وتصويب المفاهيم الكبرى التي تؤكد ثوابت الدين وتمنع استغلالها من جانب المتطرفين بطرق منحرفة. وعليه، بات من الملح النظر في إعادة بناء المؤسسات الدينية بما يؤدي إلى قيامها بواجبها في التعليم والفتوى والإرشاد بالمنهج الإسلامي الوسطي الصحيح. هذا الأمر يستتبعه إصلاح النظام التعليمي وتطوير منظومة التعليم بوحدة متكاملة واستبدال أسلوب التعليم التلقيني بأسلوب التعليم الابتكاري والإبداعي، والتركيز في المناهج التعليمية على النهضة العلمية المعاصرة.

كذلك، يأتي دور السلاح الأخطر في العالم اليوم، سلاح الإعلام. ففي ظل ظاهرة إرهابية تملك مقومات إعلامية مذهلة تبرز أيديولوجيتهم وأفكارهم التي يبررون بها أعمالهم الإجرامية، يصبح للإعلام البديل دور كبير في تدعيم مفاهيم المواطنة والوحدة والتماسك الاجتماعي، مع النأي عن بث ونشر أشكال الخطاب المتطرف الطائفي والإثني في التغطيات الإخبارية والتحليلات، وهو الأمر المنتشر في عديد الفضائيات العربية. فما المانع من تدشين إعلام مضاد لإعلام الارهاب؟ بل ما المانع من تدشين حوار مع الشباب والنزول إلى مستواهم “العمري”؟ فالمعركة ضد الإرهاب هي فكرية بالأساس. إذن، لا مناص من خطة فكرية شاملة تتخذ شكل حملة توعية هادفة الى عزل الارهاب عن الجماهير وجعل النضال ضده صراعا بين الشعب وبين الجماعات الارهابية، تشارك فيه مختلف القنوات الإعلامية، من فضائيات وتلفزيونات محلية وإذاعات وصحف وندوات واجتماعات جماهيرية، بل وفي المدارس كلها.

يشكل الإرهاب اليوم المشكلة رقم (1) في العالمين العربي والإسلامي، وبالتالي فإن الأولوية عندهم يجب أن تعطى إلى حل هذه المشكلة كمفتاح لحل سائر المشاكل المستعصية الأخرى. ولأن مصدر الإلهام الروحي للإرهاب “الإسلاموي” لطالما نبع من الأفكار المتخلفة، سواء أكانت دينية أو قومية، لذا، فلا حل اليوم للقضاء عليه إلا عبر خطاب إسلامي حداثي معتدل، مع إعادة طرح لموضوع التراث لتخليصه من كل ما علق به من أكاذيب وأباطيل وخزعبلات واهية. وحقا، لا بد من مواجهة ظاهرة الإرهاب على مستوى الجذور قبل الفروع منعا لتفاقمها.

Is Israel Really the Safest Country For Jews?

Prof. As’ad Abdul Rahman

The prime minister of Israel Benjamin Netanyahu openly claimed during the funeral of four French Jews killed recently in Paris that “Jews know from the very depth of their hearts that they only have one country which is Israel, the place of their long history and original birth that is always willing to welcome them with open arms as her beloved children.” He said “today I became certain more than any time before that Israel is the only real home for all of us (Jews).”  Netanyahu has thus resorted to the factor of ‘extreme fear’ arousing it in the hearts of French Jews to make them leave, for good, to Israel.

The Zionist State’s president Reuven Rivlin was quick to reply to Netanyahu’s claim, contradicting him in a clear message he sent to European leaders where he said that “the advent of Jews to Israel must not be a result of fear and surrender to terrorism, but as a free choice devoid of any compulsion generated by fear.” On the same issue, Yossi Beilin, an ex-member of the Knesset and a former minister, wrote saying “we should only try to facilitate things for immigrants that choose to come to Israel on their own and not try to convince to leave.” He, then, posed the following questions: “Is it wise and prudent now to call upon the French Jews to immigrate to Israel? And is this invitation intended to save them from being killed, as the Director of the Jewish Agency Natan Sharansky recently declared? And is it right to transform the horror of this terrorist act into a cheap opportunity to plant fear in the hearts of Jews to induce them to immigrate to Israel?”

Statements by other Israeli politicians tried, as have often done, to exploit an outside incident to serve the aims of Zionism that advocate and promote an image of Jews in general,  as the prime target and victims of intolerance and racism in our world to entice them to immigrate to Israel to save themselves. On this very point came the angry response of the prime minister of France Manuel Valls, who said that “France is the national home for Jews and without French Jews, there will be no France”. The Grand Rabbi in France Haim Korsia fully supported Valls over the Israeli prime minister declaring that “France is the mother of our language and the country of our dreams and hopes for a better future.”

Israel is trying to generate extreme fear in the hearts of European Jews by pointing, first, that there are more than 14 million Muslims from the Arab Maghreb living in Europe, and second that another 5 million Muslims from Turkey and more than 4 million Muslims from the Balkan and other Arab and East Asian countries are now citizens of many European countries. Such generation of fear must be seen also in connection with the fact that the racist/colonial Israeli military occupation in Palestine, unleashing a religious war to complete its Judaization of historical Palestine, has earned the State of Israel the extreme animosity, not only of European Muslims, but the rest of one and a half billion Muslims around the world.

French Jews are the largest Jewish community in Europe that numbers close to a half million. In 2014, France became the biggest “exporter” of Jewish immigrants to Israel from where, on the other hand, more than 7000 others have left. According to the Jewish Agency, it is expected that the number of French Jews migrating to Israel in 2015 will be more than ten thousand and some predict that it will reach 15000 as a result of the recent attacks in France. The Jewish Agency estimates that “20% of immigrants return to France from Israel within five years and some of the well-to-do French Jews send their families to Israel while they stay in France conducting their business, but travel to Israel during weekends to visit their families.”

The best comment offered on this subject came from the Israeli newspaper Haaretz in the form of a cartoon showing French Jews  who were induced to migrate to Israel being greeted by Bennet Naftali the right-wing leader of The Jewish Home Party carrying an automatic weapon. Naftali is standing in front of a big gate of a walled structure that looks like a huge prison with many cannons and rocket batteries on top and with Netanyahu standing near him wearing the prison warden’s uniform. Haaretz truly drew a picture worth more than a thousand words expressing the true reality of Israel, the so-called “safest country for Jews”. Indeed, Israel, in its present reality, poses the deadliest threat not only against world Jewry, but against international security, as well. It is losing friends and supporters in great numbers in the Western world and even among Jews who no longer tolerate the racist and apartheid stigma sticking to them as a result of the brutal Israeli occupation in Palestine. The Zionist state that is being ruled by right-wing religious (and ultra-nationalist) parties that blaspheme all other religions and are determined to complete their ethnic cleansing of non-Jews in historical Palestine has earned Israel the low status of a rogue country that is outside international law that should be shunned and boycotted. Thus, Israel will never be a safe place for any one till it dismantles the apartheid and religious takfiri (those who accuse others of apostasy) regime that is presently ruling it for no good.

About Jewish Reverse Immigration

Prof. As’ad Abdul Rahman

Despite the very recent recurring calls by the Israeli Prime Minister and others for European Jews to migrate to Israel, a recent Facebook campaign on the internet spread like a wild fire “urging Israelis to immigrate to Berlin.” Naor Narkis, an Israeli living in Berlin expressed extreme astonishment at the popularity of the campaign he launched and explained in an interview that “Israeli émigré in Berlin are now living in the strongest, most prosperous, most affordable and safest country in Europe. Naturally they prefer Germany than living in Israel which has become a missile-stricken country.”

The Facebook campaign has inspired a band of singers called “Shamamel” to compose a song which is now ruling the air waves in Israel. It says:
“Everyone is asking for what purpose we stay here
We can always embark on the first plane out of here breathing with ease.
The answer to the question above is hard.
Our neighbor lives in Los Angeles peacefully without any regret.
Every Israeli emigre in Berlin tells and expound upon its beauty.
Berlin, O Berlin, I shall forget my hand if I forget you.
(Jerusalem was replaced with Berlin in this old Jewish pledge during prayer).
I shall come to you to smell the fragrance of the Euro, peace and light.
My grandparents did not come to Israel in search of Zionism, but came to flee from death.
Now they understand well that there is no life here in Israel.
We chose to flee from poverty and misery, now besides death.
We are running away not only to seek comfort, but keep our heads high above the raging water.
Even our father Israel (Jacob) had to flee to Egypt where the rent was two third cheaper and the salary was double.”

These are the words vibrating in the hearts of Jewish immigrants who came to Israel searching for ’Nirvana’, but found a Spartan state fighting wars, “till Kingdom come”. Thus, they not only reversed the Jewish words said during prayers, from “Next year in Jerusalem” to “Next year in Berlin”, but also by reverse immigration from Israel for good.

The Economist journal, in a recent report, also referred to another campaign offering professional help for Israelis wishing to leave Israel for good to European countries. It called the campaign “Ascent to Berlin” instead of “Ascent to Jerusalem”, the higher immigration, “Aliya”, to Israel. All the old Jewish slogans used by Zionism to lure Jews to come to Israel, “The Promise Land”, are being reversed with new ones urging Israelis to leave.

This Facebook Campaign garnered in four days more than one million visitors and the ‘Berlin ascenders’ on its pages “received 9300 applications requesting permission to migrate to Berlin.” Such a huge positive response forced them to contact Chancellor Angela Merkel of Germany seeking work permits for the Israeli applicants. The same group revealed their intention to contact also the Spanish government to speed up the process of attaining Spanish citizenship for three million Sephardic Jews whose ancestors were forced into exile from Spain after the end of Arab rule of Andalusia in the 1490s.

The Israeli channel 10 revealed results of a recent poll which showed that half a million Israelis intend to emigrate from Israel because of the high cost of living. It showed that 50% of Israelis between the age of 25 and the age of 44 are thinking of leaving for good and “more than 26 thousand are actually leaving Israel every year for the last four years who are mostly young, very educated and secular, seeking work and better life in Germany, Australia and the United States of America”. This means that the tax base in Israel is leaving behind non taxpaying religious groups who refuse to serve in the military and are on welfare producing a dozen of children per family and studying only the Torah as a profession.

Another fact is the steady decline in the number of Jews adhering to the Jewish identity. Many refuse to nationally identify themselves as Jews instead of Israelis, Americans or French nationals. Turning Judaism into a nationality is putting Rabbis to rule a theocracy, thus, terminating the democracy of a civil non-religious state. Such a reality has now reversed the influx of Jews into Israel to Israelis leaving Israel for good. After all, Jews always claimed that they came to Israel to flee racism, persecution and religious intolerance, but found in Israel the very things they ran away from.

Another factor which is undermining Jewish immigration to Israel is that Jews around the world are enjoying the biggest prosperity in Jewish history in the countries they reside and without being subjected to religious persecution of old times. They no longer see Israel as a safe place, but on the contrary, Israel has become the most dangerous place for Jews with the never ending wars and no peace in sight. All secular Jews, whether in Israel or around the world, neither want to live in an apartheid/colonial state nor want to see Israel being fully transformed into one.

Deteriorating economy and theocracy in a situation of continued wars, taking upon itself the status of an occupying racist power ruled by the racist Talmud is not a state for Jews to be proud of. This racist state has the very seeds for self destruction like all apartheid regimes that fell apart. And that is not an opinion of an Arab observer, but an assessment held by most Western intelligence agencies, and – of course – increasing number of Jews whether they live in Israel or all over the world.

الإرهاب: تداخلات محلية وإقليمية ودولية (3-4)

       إن بحث ودراسة العوامل الخارجية المسببة للإرهاب لا تقل أهمية عن العوامل الداخلية. والمتغيرات الدولية ترتبط أساسا ببعدي السياسات والقوى الخارجية التي تمارس بشكل مباشر أو غير مباشر ضغوطا غير مناسبة على دولة ما لإرغامها على اتباع سياسة في صالحها، ما يولد حالة من الرفض والعدائية لدى طبقات واسعة من المجتمع يمكن أن تستغل في تأجيج الصراعات الداخلية والخارجية، الأمر الذي أضاف بعدا جديدا في تنامي الإرهاب عالميا. وكان الإرهاب قد اكتسب أبعاده وخصوصياته مع نشأة النظام العالمي الجديد، وخاصة منذ أحداث الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر 2001. غير أن المسألة، زمنيا، هي أبعد من ذلك، إذ تعود إلى ذات الوقت الذي كانت فيه بعض الأنظمة العربية والإسلامية حاضنة للجماعات الأصولية خاصة في مرحلة أفغانستان ومحاربة الاتحاد السوفييتي/ “الشيوعي الكافر” أو ما درج على تسميته “الأخطبوط الأحمر”.

       ورغم تنوع وتعدد الجماعات الأصولية إلا أن أسباب نشوئها واحدة. وهذه تتلخص في تحولات اقتصادية/ اجتماعية/ سياسية في العالم العربي، وأخرى إقليمية تتعلق تحديدا بالصراع الفلسطيني/ الإسرائيلي خاصة جهة معاهدة السلام مع مصر، التي أدت كلها مجتمعة إلى ظهور وتعزز هذه الجماعات التي سرعان ما بدأت أنظمة عربية بقمعها بالقوة. لكن، من داخل نطاق الحرب الباردة وشدة العداء للنظم الشيوعية، ساهمت بعض الأنظمة العربية في ترويج “فكر الجهاد” ضد الشيوعيين وسهلت “للشباب المؤمن” الوصول إلى أفغانستان لمقاتلتهم. ومن المنطقي القول أن علاقة تحالف ما أو تعاون وتنسيق قامت بين قادة “الشباب المؤمن” والمخابرات الامريكية، عبر هذه الأنظمة، ابان فترة القتال ضد السوفيات في افغانستان، باعتبار أن العدو واحد. لذلك، لم يكن غريبا قول الراحل (صلاح خلف) في عام 1987 أن “الأنظمة دفعت لمحاربة السوفييت في عام أكثر مما دفعته لمنظمة التحرير الفلسطينية منذ تأسيسها”.

       في الأثناء، يجب التأكيد على أن عدم وجود حل عادل للقضية الفلسطينية والكيل بمكيالين، ودائما لصالح إسرائيل، ساهم في تنمية العنف والإرهاب في المنطقة ثم في العالم، وهو ما أشار إليه عديد المشاركين في الندوة الخاصة حول الإرهاب التي أقامتها صحيفة “الاتحاد” الإماراتية في تشرين أول/ أكتوبر الماضي، وكذلك مركز “الملك عبدالله بن عبد العزيز الدولي” في العاصمة النمساوية في 18 و19 تشرين ثاني/ نوفمبر، حيث اتفقوا في المجمل على أن من المفاتيح الأساسية لمحاربة تنامي الإرهاب هو إيجاد حل عادل للقضية الفلسطينية. فليس من المنطق الاهتمام الغربي الكبير هذا بقضية الإرهاب فحسب، وإغفال القضايا الجوهرية، وعلى رأسها وأهمها الصراع/ الفلسطيني الإسرائيلي والتعنت الإسرائيلي الذي يعزز الإرهاب في الاقليم وعلى امتداد العالم. وفي السياق، يتحدث الكثير من الزعماء عن أن حل القضية الفلسطينية، العالقة منذ ما يقارب سبعة عقود، من شأنه أن يساهم في نزع أحد أهم الحجج/ الذرائع من أيدي المتطرفين ويسهم في التخلص من العنف والتطرف والإرهاب الذي تعيشه المنطقة.

       في السابع من تشرين أول/ أوكتوبر 2001، وبعد أيام قليلة من تفجيرات الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر، واتهام تنظيم القاعدة بالمسؤولية، بدأ الغزو الأمريكي لأفغانستان، بدعم من الحلف الأطلسي، حيث تم تجييش الغرب تجاه ما أطلق عليها في ذلك الوقت “بؤر الإرهاب الإسلامي”، تبعها احتلال العراق. حينها، وحتى الآن، وافقت الدول العربية على المخاطر المتمثلة في “عولمة الخطر الإرهابي”، خاصة مع تزايد ظهور جماعات متطرفة تحمل أفكاراً إسلامية ترفض النموذج الغربي وقيمه العلمانية. فلم يعد هناك طريق ثالث وفق المنظور الأمريكي: “إما أن تكون معنا أو ضدنا” على حد تعبير الرئيس (جورج بوش الابن)، أي إما مع الولايات المتحدة أو مع الإرهاب. وبهذا، ساهمت سياسة الإدارة الأمريكية المنفعلة في تنامي قوة الحركات الإسلامية الراديكالية ليس في تلك الاماكن التي احتلتها فحسب، وإنما في عديد من دول العالم، حتى بات الإرهاب يهدد مصالح ومواقع في العالم أجمع. 

       الحال الذي آلت إليه الأوضاع في ظل النظام العالمي الجديد والأحادية القطبية الأمريكية، أسهمت في انتشار الإرهاب، رافقها مواقف مجلس الأمن وعجزه عن اتخاذ موقف قانوني أو أخلاقي جاد فيما يحدث من انتهاكات حقوق الإنسان، خاصة جرائم إسرائيل المتكررة في فلسطين، وما ترتب على سياسات الولايات المتحدة في عديد الدول التي احتلتها أو تدخلت فيها، وبالذات في العراق الذي خلقت فيه نزاعا طائفيا يصعب إصلاحه. وفي الوقت نفسه، تزايدت بؤر التوتر في معظم دول العالم، خاصة في الشرق الأوسط وأوروبا، في ظل الآثار القمعية التي ترتبت على ما درج تسميته “الربيع العربي”. وللحديث صلة في الحلقة الرابعة والأخيرة من هذه الدراسة.

الإرهاب: الأسباب والتداعيات (2-4)

       خطر الإرهاب، لا يمكن أن يزول بين ليلة وضحاها. بل هو يزداد شراسة وعنفا، فيما يكمن خطره الحقيقي في انتشار فكر التطرف، واتساع دائرته، وتزايد أتباعه، وتحوله إلى جزء من ثقافة المجتمات. من هنا، باتت ظاهرة الإرهاب تستأثر باهتمام متزايد من دول العالم كافة، نتيجة للآثار السلبية التي ترتبها في حياة مجتمعاتها، وذلك لارتباط شيوع ظاهرة الإرهاب بتطور الأحداث الجارية في الساحة السياسية، حتى أضحى مفهوم الإرهاب صفة لصيقة لكل حدث، سواء كان جماعيا مخططا، أم فرديا عفويا.

       ولأن الإرهاب بات ظاهرة عالمية تزداد توسعا وانتشارا، ولأن أسبابه متعددة سياسية واقتصادية واجتماعية ونفسية، فإن إدراك وفهم أسبابه هي نقطة الانطلاق المركزية للقضاء عليه. ومع اختلاف وجهات النظر في تحليل الظاهرة، هناك شبه اجماع على كون العامل الاقتصادي يلعب دورا مهما في توجيه سلوك الإرهاب عند الأفراد/ المجتمعات: فالفقر والجهل والبطالة الناجمة بالأساس عن السياسات الاقتصادية وسعتا الفجوة بين الفقراء والاغنياء، وبين ذوي المصالح الاقتصادية الواسعة وبين الفئات الاقتصادية المهمشة، الأمر الذي ولد شعورا بالعجز واليأس والاحباط. وفي إطار العامل الاقتصادي، الذي يراه عديد المحللين، السبب الرئيس في ظاهرة الارهاب، تأتي كذلك مسائل عديدة مثل: سوء توزيع الثروة، الفساد الاداري الحكومي. وهذه العوامل، مع غيرها، في ظل أنظمة قمعية، تعزز تولد سلوك عنيف عند المحرومين، سرعان ما يتفجر ويتحول إلى عنف.. أولى الخطوات نحو الإرهاب.

       كذلك، فإن الأنظمة القمعية التي عادة ما ترضخ في سياستها لسياسات دول خارجية، تستولد عداء وصراعا لدى طبقات واسعة يمكن أن تستغل في تأجيج النزاعات الداخلية. في السياق، يأتي النظام الاقتصادي الدولي الجائر الذي يقود إلى خلق حالة من الغضب والعداء المستمر بين مختلف شعوب العالم، في ظل الاستغلال الاجنبي للموارد الطبيعية الوطنية والذي يمكن أن ينتج بفعل ظاهرة التبعية، فضلا عن السياسات المتبعة من قبل صندوق النقد والبنك الدوليين عبر برامجهما المتمثلة بالإصلاح الاقتصادي القاسي (وربما المتعسف) المشروط باتباع سياسات معينة من قبل البلدان المطبقة لتلك البرامج.

       نتفق جميعا على أن الإرهاب والعنف يقودان إلى الخوف والفزع والقلق والخلل في الحياة عامة، وبذلك تظهر آثاره/ تداعياته الاجتماعية والاقتصادية. وإن كانت الآثار/ الأبعاد الاقتصادية واضحة، حيث يعتبر الإرهاب مصدرا خطيرا على اقتصادات الكثير من بلدان العالم لما تسببه الهجمات الإرهابية من تدمير للاقتصاد والدخل الوطني ما يضر باقتصاد الوطن كله، تصبح الآثار والأبعاد الاجتماعية أشمل حيث يضرب الإرهاب مقومات المجتمع ككل. ومن النتائج الكارثية للإرهاب، تأثيره على الأقليات. فمرة أخرى، نهاية العام الماضي، حصل نزوح جماعي مع سقوط مدينة الموصل العراقية التي كان يعيش فيها آلاف المسيحيين، فيما يقول الخبير في الشؤون السورية (فابريس بالانش) ان “700 الى 800 الف مسيحي فروا من مصر وسوريا والعراق منذ العام 2011″.

         في سياق التداعيات، لا بد من الإشارة إلى السياسة الغربية التي ساهمت في تصاعد وتيرة الإرهاب، فالتقرير الذي نشرته منظمة “مبادرة عدالة المجتمع المفتوح” يؤكد أن أكثر من 54 دولة شاركت في نشاطات تعذيب لسجناء اعتقلوا بعد هجمات 11 أيلول/ سبتمبر 2001 في الولايات المتحدة، فيما كانت إيطاليا هي البلد الوحيد الذي صدرت فيه أحكام قضائية على مسؤولين لتورطهم في هذه العمليات. وبذلك، فإن العالم الغربي (بشكل عام) مارس (أو سكت عن) التعذيب في محاربته للإرهاب، فأسهم ذلك بجعل الإرهاب عابرا للحدود.

معروف أن التطرف ليس حكراً على دين. فكل الأديان وكل المذاهب والثقافات أنتجت إرهابها، وإن بصور مختلفة، سواء عبر القتل أو التهجير أو الإقصاء، وهذا يعني أن الإرهاب ليس ظاهرة عربية أو مسلمة خالصة، بل إن عددا متزايدا من المراقبين يتحدثون عن مسؤولية مباشرة لدول بعينها في تخليق واستغلال حركات “إسلامية” لأغراضها ولمصالحها. وقد أعلن (اولدرجيخ مارتينو) نائب “مدير منظمة الشرطة الأوروبية – يوروبول” أن “عدد الأجانب الذين يقاتلون إلى جانب التنظيمات الإرهابية المسلحة في سورية يبلغ نحو 30 ألفا تقديريا”، لافتا إلى أن منظمة “يوروبول” لا تعرف العدد الدقيق للأوروبيين الذين يقاتلون في صفوف تنظيم داعش الإرهابي في سورية والعراق. وكان (روب وينرايت) مدير “يوروبول” أكد أمام لجنة الشؤون الداخلية في مجلس العموم البريطاني أن “وسائل الإعلام الاجتماعية تعتبر أداة تجنيد ودعاية وأن شبكة الانترنت تستخدم بطريقة أكثر عدوانية وأكثر تخيلا من قبل”.

       ومع أنه يتحتم على المجتمع الدولي بأكمله محاربة الإرهاب فإن ثمة مسؤولية خاصة على الدول العربية والإسلامية، لأن معظم التنظيمات الإرهابية ترتكب جرائمها باسم الإسلام، فضلا عن أنه ما من دولة اليوم قادرة بمفردها على مواجهة هذا الخطر.